المقريزي

233

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

صار جامعها القديم ودورها في برّ الجيزة ، وغلب البحر عليها ، وهذه المنية من محاسن منتزهات القاهرة ، وكانت قد كثرت العمائر بها واتخذها الناس منزل قصف ودار لعب ولهو ومغنى صبابات ، وبها كان يعمل عيد الشهيد الذي تقدّم ذكره عند ذكر النيل من هذا الكتاب ، لقربها من ناحية شبرا ، وبها سوق في كل يوم أحد يباع فيه البقر والغنم والغلال ، وهو من أسواق مصر المشهورة ، وأكثر من كان يسكن بها النصارى ، وكانت تعرف بعصر الخمر وبيعه ، حتى أنه لما عظمت زيادة ماء النيل في سنة ثمان عشرة وسبعمائة ، وكانت الغرقة المشهورة وغرقت شبرا والمنية ، تلف فيها من جرار الخمر ما ينيف على ثمانين ألف جرّة مملوءة بالخمر ، وباع نصرانيّ واحد مرّة في يوم عيد الشهيد بها خمرا باثني عشر ألف درهم فضة ، عنها يومئذ نحو الستمائة دينار ، وكسر منها الأمير بلبغا السالميّ في صفر سنة ثلاث وثمانمائة ما ينيف على أربعين ألف جرّة مملوءة بالخمر . وما برحت تغرق في الأنيال العالية إلى أن عمل الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة الجسر من بولاق إلى المنية ، كما ذكر عند ذكر الجسور من هذا الكتاب . فأمن أهلها من الغرق ، وأدركناها عامرة بكثرة المساكن والناس والأسواق والمناظر ، وتقصد للنزهة بها أيام النيل والربيع ، لا سيما في يومي الجمعة والأحد ، فإنه كان للناس بها في هذين اليومين مجتمع ينفق فيه مال كثير ، ثم لما حدثت المحن من سنة ست وثمانمائة ، الحّ المناسر بالهجوم عليها في الليل وقتلوا من أهلها عدّة ، فارتحل الناس منها وخلت أكثر دورها ، وتعطلت حتى لم يبق بها سوى طاحون واحدة لطحن القمح ، بعد ما كان بها ما ينيف على ثمانين طاحونة ، وبها الآن بقية وهي جارية في الديوان السلطاني المعروف بالمفرد . ذكر كوم الريش هذا اسم لبلد فيما بين أرض البعل ومنية الشيرج . كان النيل يمرّ بغربيها بعد مروره بغربيّ أرض البعل ، وأدركت آثار الجروف باقية من غربيّ البعل ، وغربيّ كوم الريش إلى أطراف المنية ، حتى تغيرت الأحوال من بعد سنة ست وثمانمائة ، ففاض ماء النيل في أيام الزيادة ونزل في الدرب الذي كان يسلك فيه من أرض الطبالة إلى المنية ، فانقطع هذا الدرب وترك الناس سلوكه ، وكان كوم الريش من أجلّ منتزهات القاهرة ، ورغب أعيان الناس في سكناها للتنزه بها . وأخبرني شيخنا قاضي القضاة مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم الحنفي ، وخال أبي تاج الدين إسماعيل بن أحمد بن الخطباء ، أنهما أدركا بكوم الريش عدّة أمراء يسكنون فيها دائما ، وأنه كان من جملة من يسكن فيها دائما نحو الثمانمائة من الجند السلطاني ، وأنا أدركت بها سوقا عامرا بالمعايش بأنواعها من المآكل ، لا أعرف اليوم بالقاهرة مثله في كثرة